الغزالي

177

إحياء علوم الدين

وقال الشبلي رحمه الله : السماع ظاهره فتنة ، وباطنه عبرة ، فمن عرف الإشارة حل له إسماع العبارة ، وإلا فقد استدعى الفتنة ، وتعرض للبلية ، وقال بعضهم : السماع غذاء الأرواح لأهل المعرفة ، لأنه وصف يدق عن سائر الأعمال ، ويدرك برقة الطبع لرقته ، وبصفاء السر لصفائه ولطفه عند أهله ، وقال عمرو بن عثمان المكي : لا يقع على كيفية الوجد عبارة ، لأنه سر الله عند عباده المؤمنين الموقنين ، وقال بعضهم : الوجد مكاشفات من الحق وقال أبو سعيد بن الأعرابي : الوجد رفع الحجاب ، ومشاهدة الرقيب ، وحضور الفهم ، وملاحظة الغيب ، ومحادثة السر ، وإيناس المفقود ، وهو فناؤك من حيث أنت ، وقال أيضا : الوجد أول درجات الخصوص ، وهو ميراث التصديق بالغيب ، فلما ذاقوه وسطع في قلوبهم نوره زال عنهم كل شك وريب ، وقال أيضا : الذي يحجب عن الوجد رؤية آثار النفس والتعلق بالعلائق والأسباب ، لأن النفس محجوبة بأسبابها ، فإذا انقطعت الأسباب وخلص الذكر وصحا القلب ، ورق وصفا ، ونجعت الموعظة فيه ، وحل من المناجاة في محل قريب وخوطب وسمع الخطاب بأذن واعية ، وقلب شاهد ، وسر ظاهر ، فشاهد ما كان منه خاليا فذلك هو الوجد ، لأنه قد وجد ما كان معدوما عنده ، وقال أيضا : الوجد ما يكون عند ذكر مزعج ، أو خوف مقلق ، أو توبيخ على زلة ، أو محادثة بلطيفة ، أو إشارة إلى فائدة أو شوق إلى غائب ، أو أسف على فائت ، أو ندم على ماض ، أو استجلاب إلى حال ، أو داع إلى واجب ، أو مناجاة بسر ، وهو مقابلة الظاهر بالظاهر ، والباطن بالباطن ، والغيب بالغيب ، والسر بالسر ، واستخراج مالك بما عليك ، مما سبق لك السعي فيه فيكتب ذلك لك بعد كونه منك ، فيثبت لك قدم بلا قدم ، وذكر بلا ذكر ، إذ كان هو المبتدئ بالنعم والمتولي وإليه يرجع الأمر كله ، فهذا ظاهر علم الوجد ، وأقوال الصوفية من هذا الجنس في الوجد كثيرة . وأما الحكماء فقال بعضهم : في القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان ، فلما ظهرت سرت وطربت إليها فاستمعوا من النفس وناجوها ودعوا مناجاة الظواهر ، وقال بعضهم نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي